السيد عبد الأعلى السبزواري
249
مواهب الرحمن في تفسير القرآن
وهذه الآية المباركة دليل على مذهب الإمامية من الرجعة ، واستدلوا بجملة من الآيات المباركة هذه إحداها ، ويأتي تفصيل ما ذهبوا اليه إن شاء اللّه تعالى . وفي هذه الآيات إيماء إلى النهي عن التعمق في ذات اللّه جلت عظمته بل استحقاق العقاب عليه ، وقد وردت عن الأئمة الهداة ( عليهم السلام ) في النهي عن التعمق في ذاته عزّ وجل روايات كثيرة ، فعن أبي جعفر ( عليه السلام ) : « تكلموا في خلق اللّه ولا تتكلموا في اللّه فإن الكلام في اللّه لا يزداد صاحبه إلّا تحيرا » ، وعن الصادق ( عليه السلام ) : « إنّ اللّه تبارك وتعالى يقول : وَأَنَّ إِلى رَبِّكَ الْمُنْتَهى فإذا انتهى الكلام إلى اللّه تعالى فأمسكوا » . قوله تعالى : وَظَلَّلْنا عَلَيْكُمُ الْغَمامَ . ذكر سبحانه وتعالى بعض نعمه التي منّ بها على بني إسرائيل وهي نعمة التظليل ، وذلك أنهم لما خرجوا من مصر وأرادوا الأرض المقدسة اجتازوا صحراء لا ظل فيها ولا شجر فكان يصيبهم حر شديد فشكوا إلى موسى ( عليه السلام ) فأرسل اللّه تعالى إليهم الغمام لتظلّهم عن حر الشمس ، كما هو مذكور في التوراة . والظل هو الستر وكلما يستر عن الضياء يسمى ظلا ، قال تعالى في وصف أهل الجنّة : إِنَّ الْمُتَّقِينَ فِي ظِلالٍ وَعُيُونٍ [ سورة المرسلات ، الآية : 41 ] والفيء أخص منه ، لاختصاص إطلاقه بما زالت عنه الشمس فقط ، وليس كل ظل هو فيئا . والغمام هو السحاب والقطعة منه غمامة ، وإنما سمي غماما ، لأنها تستر السماء فيصير معنى الغمام والظل والستر واحدا ويفرّق بالاعتبار ، وتظليل الغمام لهم إنما وقع في التيه . قوله تعالى : وَأَنْزَلْنا عَلَيْكُمُ الْمَنَّ وَالسَّلْوى . هذه نعمة أخرى من النّعم التي منّ بها على بني إسرائيل . والمنّ هو الإحسان والخير ، ويقع تارة ، بالفعل ، وهو حسن وكثير في القرآن ، وأخرى بالقول وهو مستقبح عند الناس إلّا عند كفران النعمة ، ولذا قالوا : « إذا كفرت النعمة حسنت المنة » . والسلوى هو كلما يتسلى به الإنسان ومنه التسلي في المصيبة ، وفلان